أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )

185

الدر المصون في علوم الكتاب المكنون

الفصحى . وقرأ الكسائي « بزعمهم » بالضم ، وهي لغة بني أسد . وهل الفتح والضم بمعنى واحد ، أو المفتوح مصدر ، والمضموم اسم ؟ خلاف مشهور . وقرأ ابن أبي عبلة « بزعمهم » بفتح الزاي والعين . وفيه لغة رابعة لبعض قيس وبني تميم ، وهي كسر الزاي ، ولم يقرأ بهذه اللغة فيما علمت . وقد تقدم تحقيق الزّعم . وقوله : لِشُرَكائِنا يجوز فيه وجهان : أحدهما : « أن » الشركاء من الشّرك ، ويعنون بهم آلهتهم ، التي أشركوا بينها وبين الباري تعالى في العبادة ، وليست الإضافة إلى فاعل ، ولا إلى مفعول ، بل هي إضافة تخصيص ، والمعنى : الشركاء الذين أشركوا بينهم وبين اللّه تعالى في العبادة . والثاني : أن الشركاء من الشّركة ، ومعنى كونهم سموا آلهتهم شركاءهم : أنهم جعلوهم شركاء في أموالهم وزروعهم وأنعامهم ومتاجرهم وغير ذلك ، فتكون الإضافة إضافة لفظية ، إمّا إلى المفعول ، أي : شركائنا الذين شاركونا في أموالنا ، وإمّا إلى الفاعل ، أي : الذين أشركناهم في أموالنا . وقوله : ساءَ ما يَحْكُمُونَ قد تقدم نظيرها غير مرة « 1 » . وقد أعربها الحوفي هنا ، فقال : « ما » بمعنى « الّذي » ، والتقدير : ساء الّذي يحكمون حكمهم ، فيكون « حكمهم » مبتدأ ، وما قبله الخبر ، وحذف لدلالة « يَحْكُمُونَ » عليه . ويجوز أن تكون « ما » تمييزا ، على مذهب من يجيز ذلك في « بئسما » ، فتكون في موضع نصب ، التقدير : ساء حكما حكمهم . ولا يكون « يَحْكُمُونَ » صفة ل « ما » ، لأن الغرض الإبهام ، ولكن في الكلام حذف يدل عليه « ما » ، والتقدير : ساء ما يحكمون ، فحذف « ما » الثانية . قلت : و « ما » هذه إن كانت موصولة فمذهب البصريين أن حذف الموصول لا يجوز ، وقد عرف ذلك . وإن كانت نكرة موصوفة ففيه نظر ، لأنه لم يعهد حذف « ما » نكرة موصوفة . وقال ابن عطية : و « ما » في موضع رفع ، كأنه قال : ساء الّذي يحكمون ولا يتجه عندي أن تجري « ساءَ » هنا مجرى « نعم وبئس » ، لأن المفسر هنا مضمر ، ولا بدّ من إظهاره باتفاق من النحاة ، وإنما اتجه أن تجري مجرى بئس في قوله : ساءَ مَثَلًا الْقَوْمُ لأن المفسر ظاهر في الكلام . قال الشيخ : « وهذا كلام من لم ترسخ قدمه في العربية بل شدا فيها شيئا يسيرا ، لأنها إذا جرت « ساءَ » مجرى « بئس » ، كان حكمها كحكمها سواء لا يختلف في شيء البتة ، من فاعل ظاهر ، أو مضمر وتمييز ، ولا خلاف في جواز حذف المخصوص بالمدح أو الذم والتمييز منها ، لدلالة الكلام عليه . فقوله : لان المفسر هنا مضمر ، ولا بدّ من إظهاره باتفاق ، قول ساقط . ودعواه الاتفاق على ذلك مع أن الاتفاق على خلافه - عجب عجاب » . [ سورة الأنعام ( 6 ) : آية 137 ] وَكَذلِكَ زَيَّنَ لِكَثِيرٍ مِنَ الْمُشْرِكِينَ قَتْلَ أَوْلادِهِمْ شُرَكاؤُهُمْ لِيُرْدُوهُمْ وَلِيَلْبِسُوا عَلَيْهِمْ دِينَهُمْ وَلَوْ شاءَ اللَّهُ ما فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَما يَفْتَرُونَ ( 137 ) قوله : وَكَذلِكَ زَيَّنَ . هذا في محل نصب نعتا لمصدر محذوف ، كنظائره ، فقدره الزمخشري تقديرين ، فقال : « ومثل ذلك التزيين ، وهو تزيين الشرك في قسمة القربان بين اللّه والآلهة ، أو : مثل ذلك التزيين البليغ الذي علم من الشياطين .

--> ( 1 ) انظر آية ( 31 ) من سورة البقرة .